محمد بن جرير الطبري

243

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ . » وليس من شيء يتقرب به المؤمنون إلى الله عز وجل من اعمالهم ، ويسعون به في حط أوزارهم ، وفكاك رقابهم ، ويستوجبون به الثواب من ربهم ، الا والجهاد عنده أعظم منه منزله ، وأعلى لديه رتبه ، وأولى بالفوز في العاجلة والآجلة ، لان أهله بذلوا الله أنفسهم ، لتكون كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا ، وسمحوا بها دون من وراءهم من إخوانهم وحريم المسلمين وبيضتهم ، ووقموا بجهادهم العدو . وقد رأى أمير المؤمنين - لما يحبه من التقرب إلى الله بجهاد عدوه ، وقضاء حقه عليه فيما استحفظه من دينه ، والتماس الزلفى له في اعزاز أوليائه ، واحلال الباس والنقمه بمن حاد عن دينه ، وكذب رسله ، وفارق طاعته - ان ينهض وصيفا مولى أمير المؤمنين في هذا العام إلى بلاد أعداء الله الكفرة والروم ، غازيا لما عرف الله أمير المؤمنين من طاعته ومناصحته ومحمود نقيبته وخلوص نيته ، في كل ما قربه من الله ومن خليفته . وقد رأى أمير المؤمنين - والله ولى معونته وتوفيقه - أن تكون موافاه وصيف فيمن انهض أمير المؤمنين معه من مواليه وجنده وشاكريته ثغر ملطيه لاثنتي عشره ليله تخلو من شهر ربيع الآخر سنه ثمان وأربعين ومائتين ، وذلك من شهور العجم للنصف من حزيران ودخوله بلاد أعداء الله في أول يوم من تموز ، فاعلم ذلك واكتب إلى عمالك على نواحي عملك بنسخه كتاب أمير المؤمنين هذا ، ومرهم بقراءته على من قبلهم من المسلمين وترغيبهم في الجهاد ، وحثهم عليه واستنفارهم اليه ، وتعريفهم ما جعل الله من الثواب لأهله ، ليعمل ذوو النيات والحسبه والرغبة في الجهاد على حسب ذلك في النهوض إلى عدوهم والخفوف إلى معاونه إخوانهم والذياد عن دينهم والرمي من وراء حوزتهم بموافاه عسكر وصيف مولى أمير المؤمنين ملطيه في الوقت الذي حده أمير المؤمنين لهم إن شاء الله والسلام عليك ورحمه الله وبركاته وكتب أحمد بن الخصيب لسبع ليال خلون من المحرم سنه ثمان وأربعين